الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
382
نفحات الولاية
وأضاف عليه السلام فقال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « انَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وتَرَى مَا أَرَى ، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، ولكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْر » . لعل هنالك من يقول : هنالك من لا يزال يعبد الشيطان فكيف التوفيق بين هذا الكلام وما جاء في هذه الخطبة ؟ والجواب واضح في أنّ عرى الطاعة المطلقة للشيطان وعلى جميع المستويات التي كانت سائدة في العصر الجاهلي والتي تشمل الوثنية وعبودية الأصنام والانحرافات الأخلاقيّة والمظالم الاجتماعيّة الشديدة قد انهارت بظهور الإسلام وظهرت الفئات الخيرة الكثيرة المؤمنة في كلّ قرن وإن لم تكن أكثر عدداً وعدّة من اتباع الشيطان فإنّ كيفيتهم الوجوديّة ومقاماتهم لأرفع وأسمى . بعبارة أخرى فقد صرح الشيطان منذ اليوم الأوّل قائلًا : « وَلَاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 1 » . وقد زال هذا المعنى بانبثاق الدعوة الإسلاميّة ، فطائفة كبيرة من المؤمنين من ذوي الإيمان القوي والعمل الصالح قد خرجوا من تبعية الشيطان بالإضافة إلى المخلصين والمراد بهم خاصة أولياء اللَّه . على كلّ حال فإنّ هذه العباراة من قبيل العديد من الروايات التي سنشير إليها لاحقاً ، والتي تشير إلى مدى عظم منزلة علي عليه السلام بالنسبة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقد كان صنوه في كلّ شيء سوى النبوّة ، وهذه هي الحقيقة التي وردت في حديث المنزلة الذي ورد مفصلًا في كتب الفريقين ، حيث إنّ النّبي صلى الله عليه وآله استخلف عليّاً عليه السلام على المدينة في غزوة تبوك فلما سأله الإمام أخبره صلى الله عليه وآله بحديث المنزلة . والحديث حسبما رواه ابن عباس ونقلته مصادر العامّة المعتبرة كحديث صحيح السند أنّ عليّاً عليه السلام بكى لما استخلفه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على المدينة حين انطلق إلى تبوك فقال له صلى الله عليه وآله : « أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنّى بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى إِلَّا أنَّهُ لَيْسَ بَعْدي نَبِيّ » . ثم قال : « إنّهُ لا يَنْبَغي أنْ أذْهَبَ إِلَّا وأنْتَ خَليفَتي » .
--> ( 1 ) . سورة الحجر ، الآيتان 39 و 40 .